الرئيسية | مقالات وكتاب | على أبواب ضريبة غامضة ومبهمة - علي الموسى

على أبواب ضريبة غامضة ومبهمة - علي الموسى

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
علي سعد الموسى علي سعد الموسى

لعل أولى بركات مجلس التعاون الخليجي الملموسة في حياة مواطنيه هي البشارة القادمة بفرض ضريبة القيمة المضافة (VAT) التي قال عنها معالي وزير المالية إنها ستعرض خلال أيام لإقرارها من قبل قادة المجلس. وسأبدأ بالتفاصيل الشاردة، والأقل أهمية: أصحاب المعالي وزراء المالية والاقتصاد والتخطيط بدول المجلس يتحدثون عن الضريبة القادمة كرقم واحد موحد وعن نسبة استقطاع ثابتة يدفعها المواطن بالتساوي من صلالة حتى حالة عمار ومن الخوبة حتى شمال أبراج الكويت. هي تشبه بالضبط، حلق رؤوسنا بالجملة على "نمرة 3" بصرف النظر عن أي شكل سنخرج به من صالون الحلاقة. هذا المبدأ يتعارض كلياً وجوهرياً مع ثقافة الضرائب، إذ كيف لي كمواطن يعيش اليوم في بلدة منسية مثل سراة عبيدة أن أدفع ذات نسبة الضريبة ونفس الرقم الموحد مع مواطن آخر يعيش في جميرا دبي أو محمدية الرياض؟ ثقافة الضرائب في الأصل هي انعكاس مردود الخدمات وحجم استهلاك هذه الخدمات من قبل دافعي الضرائب، ولعله لهذا السبب تختلف نسب الضرائب، مثالاً، ما بين سكان نيويورك وبين مواطني ولاية مثل "أوريغون" الأميركية. وهنا سيتحول رقم الضريبة إلى نكتة كبرى حين يدفعه بالتساوي ساكنو الأبراج الزجاجية على مياه هذا الخليج مع ساكن غرفة الأحجار بجبال الحشر أو "شواق" الليث. وبالطبع، نحن نكتب عن الضريبة الوشيكة القادمة إلينا تماماً مثل "حاطب ليل" وهذه أم الكوارث. أصحاب المعالي يرسمون ويكتبون عنها في دوائرهم المغلقة ونحن المعنيون آخر من يعلم عن إضبارة البروتوكول الضريبي الذي يحوي بالضبط مئات الأوراق التي يتعاملون معها بالشمع الأحمر والسرية المطلقة، في نسف ممنهج لأهم أركان ثقافة الضريبة. هذا الركن الجوهري هو الشفافية المطلقة التي تجعل دافع الضرائب قادراً على إجابة واستنباط كل فقرة في القانون الضريبي قبل إقراره وتفعيله. لكننا للأسف الشديد لا نعرف عنها سوى جملة واحدة من أنها ستعرض للإقرار وليس علينا سوى أن ندفع ونبصم. لا نعرف مع ولادة المشروع الضريبي ركنها الثاني في آليات المحاسبة وأنظمتها التي تضمن أن تتساوى كل شرائح المجتمع في دفع نسبتها بعدالة تضع الجميع على خط أفقي مستقيم بذات المسطرة. لا نعرف، بالمثال، لماذا تم اختيار ضريبة القيمة المضافة، وحدها، من بين بقية أشكال الضرائب؟ ولماذا تم تجاهل ضريبة "الدخل" لأنها بالذات هي "أم الأفكار" التي تضمن للطبقات الدنيا من المواطنين عدالة استقطاع من الأثرياء والقادرين بوصفهم أكبر زبون مستهلك للخدمات الحكومية المختلفة، وأكبر مستهلك للبنى التحتية التي تبنى من الأموال العامة للدولة؟ هنا كيف يتساوى في نفس الرقم والنسبة راعي أغنام لم يستهلك من الخدمات العامة سوى ما تجود به سحابة ماطرة من السماء مع رجل أعمال تقول الإحصائية إن الحكومة تفتح له 14 إدارة مختلفة في دوام اليوم الواحد؟ الضرائب تحتاج في الركن الأهم إلى صوت ديمقراطي يرفع همومي تجاهها وأستطيع كمواطن أن أحاسبه على هذا الصوت. الضرائب ثقافة شاملة مكتملة لا يصح أن نتعامل معها بالانتقاء وطمس الأركان وباختيار ما شاؤوا لنا من خياراتها الواسعة وحذف ما لا يريدون منها، وكأننا في دكان صغير لبيع التجزئة.

صحيفة الوطن السعودية