الرئيسية | مقالات وكتاب | عبداللطيف الدعيج | عبداللطيف الدعيج يكتب..رزق شواربكم على الحكومة

عبداللطيف الدعيج يكتب..رزق شواربكم على الحكومة

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
عبداللطيف الدعيج يكتب..رزق شواربكم على الحكومة

الكويتي كان ولا يزال يلعن، بل ويشتم مَن «رزقه على مرته»، أي الرجل الذي يتعيش على جهد وعمل أو حتى ثروة زوجته. شخصياً، أجد تناقضاً رهيباً بين هذا الإصرار على التعفف عن الاعتماد أو التعيش على المرأة، من قِبل من أعتقد – أنا – أنه عاش طوال تاريخه على عمل هذه المرأة وكدها

.
لدي قناعة بأن الإنسان العربي عاش من عمره زمناً طويلاً وهو يعتمد على جهد المرأة وعملها؛ بمعنى أنه، أي الرجل، لا يعمل أصلاً، بل يتعيش من «رزق مرته». على خلاف التقليد الكويتي الذي ينبئ بعكس ذلك ويحرص على استهجانه. ربما أكون مبالغاً أو حتى مخطئاً، ولكن لا يمكن لي أن أتصور حياة آبائنا وأجدادنا الأقدمين من الذكور على أنهم عمال مهرة أو خبراء زراعة داخل الجزيرة العربية. والجزيرة العربية هنا تشمل إلى حد ما معظم المشرق العربي. فهذه المنطقة تكاد تخلو من المواد الطبيعية القابلة للتحويل وفقاً لمهارات وقدرات وخبرات الآباء الاقدمين في ذلك الوقت. وهي تفتقر إلى المياه؛ وافتقارها إلى المياه أدى إلى غياب الأشجار، وبالتالي الحرمان من الخشب كمصدر أساسي للطاقة. باختصار، الإنسان القديم في الجزيرة العربية لم يكن عنده غير الرمل

.
لقد انتقلت معظم المجتمعات الإنسانية من حرفة الجمع والالتقاط التي تعيّش عليها الإنسان البدائي أو البدوي الأول إلى حرفة الصيد، ثم بعد استئناس الحيوان إلى الرعي، وبعدها الزراعة والصناعة الحالية. غياب المواد الأولية وانعدام المياه والأمطار وقساوة المناخ في الجزيرة العربية أدت إلى أن تتوقف «الحياة» أو التطور الاجتماعي في الجزيرة عند مجتمع الرعي

.
ظل الإنسان العربي منذ آلاف السنين وإلى حد ما حتى الآن على أخلاق وتراث الرعاة. ازدياد التصحر، وندرة المياه، أديا إلى تنقاص وغياب الطرائد، ومع تزايد أعداد السكان واحتياجاتهم اضطر الإنسان العربي إلى قنص أو غزو أخيه الإنسان، فنشأت ثقافة ومهنة «الغزو»، وجرى تبريرها وتزكيتها كمهنة شريفة تتعالى على الزراعة وحتى على الرعي أو تربية الحيوان

.
السرقة أو الاختلاس دناءة وعيب على الرجل العربي أن يمارسهما. أما الغزو أو «البوق» فهو فروسية وبطولة ودليل على علو المكانة والمهابة التي يتحلى بها الغازي. مع أن السرقة أو الغزو في النهاية اغتصاب لمال الغير وتعد على أملاك الآخرين، لكن عندما تؤخذ بالقوة وفي وضح النهار فهي غزو وحلال، وشرف رفيع يضاف إلى شرف من يمارسه. ودينياً هي «فتح»، وليست حتى غزوا او احتلالا؛ لهذا ظل الإنسان «الرجل» العربي يتعيش على الغزو وعلى استغلال جهد ونتاج المجاور من الأرياف أو الضعاف من القبائل؛ أي إنه لم يكن ينتج ولم يتعلم أصلاً كيف ينتج… ربما حتى الآن.
الإنسان العربي أو «المرأة» على الجانب الآخر هي التي تولت أعمال الإنتاج وتفننت بها، بل هي، وليس الرجل، كما تؤكد الدراسات الأنثروبولوجية للمجتمعات الإنسانية من نقل الإنسانية من الاعتماد على الرعي والقنص إلى الزراعة.. الحرفة الأغزر إنتاجاً وأسهل ممارسة. لكن هذا الشرف أو «مصدر القوة» لم يتوافر للمرأة العربية داخل الجزيرة التي لم تحظ بنعمة المطر. المطر والاستقرار بالقرب من الأنهار أو المياه بشكل عام وفرا للإنسان الأول أو وفقاً لعلماء الدراسات الإنسانية للمرأة أن تلاحظ أن ما تتخلص منه من حبوب أو بالأحرى بذور يعود إلى النمو والتكاثر بفعل المطر.
المرأة العربية تولت أمر الإنتاج أو العمل. واستخدمت ما كان متوافراً وقتها في الصحراء العربية. منتوجات ومخلفات حيوانات الرعي. المرأة هي التي مارست العمل، ومارست صناعة الغزل وصناعات تحويل الألبان ودهون الحيوانات. المرأة كانت تتولى كل شيء. فهي تطبخ وتنفخ.. تغزل وتحطب وتجلب الماء للحيوانات التي تقوم برعايتها. وطبعا ملكية حيوانات الرعي تعود إلى الذكر «للرجل» الذي اصطادها وروضها.. لهذا فالمرأة ظلت تعمل لدى الرجل، بل والله أعلم هي أول من قام باستعباده الرجل. فالرجل كان وليس المرأة من تملك أولى أدوات إنتاج في التاريخ الإنساني.. وهي الحيوانات التي استأنسها.
وبهذا أصبحت المرأة أو الأنثى شيئاً دونياً في المجتمع العربي. وظلت علاقتها بالرجل علاقة تسلط واستعباد في شكلها المباشر. أمّا بوجه عام فالمرأة أصبحت مخلوقاً محتقراً ناقصاً وليس أهلاً أو نداً للرجل.
احتقار الرجل للمرأة أدى إلى أن يحتقر الرجل «العمل» أو الصناعة لأنها مهنة الضعاف والدونيين أو مهنة النساء.
مهمة الرجل الوحيدة كانت «الحماية»، حماية القطيع من الذئاب وحماية الجماعة وأملاكها من الغزاة. مع ملاحظة أن «الغزو» كمهنة تلاشى شيئاً فشيئاً بفضل التطور الحضاري وقيام الممالك. وتوافر عناصر حماية للأطراف الريفية المتاخمة للصحراء. أضف إلى ذلك تطور التبادل التجاري ورقي الطرفين، الريف والصحراء، مما سمح بوجود تبادل تجاري مربح ومريح بينهما.
وهكذا تمت إحالة الرجل العربي إلى التقاعد. فلم تعد الذئاب أو غيرها من الحيوانات المفترسة متواجدة. ولم تعد الأغنام بحاجة إلى حماية. كما أن الغزو كما أسلفنا تلاشى وانعدم. وأصبح القانون أو سيادة الدول والممالك يحمي الناس.. لهذا ظلت مهنة أو عمل الرجل العربي الحالي كما كتبت سابقاً «تجذيح سجائر وشرب شاي في الشمال ودق قهوة وهيل في الجنوب»؛ أي إنه أصبح في النهاية يتعيش على رزق مرته… فالمرأة هي التي تعمل، وهي التي تصنع، وهي التي تعتني بالحيوانات. أمّا الرجل فهو أشرف من أن يعمل أو أن يقوم بصناعة شيء. بل جل ما يقوم به هو نقل منتوجات «المرأة» أو بدقة أكثر المنتوجات التي تنتجها المرأة إلى الأرياف واستبدالها بما يلزم المجموعة.
أنا أكتب هذا بمناسبة يوم المرأة… لكن اكتبه أيضاً لأني أعتقد أن من الضروري أن ينتبه كل من يسعى بجد إلى تنويع مصادر الدخل والإنتاج عندنا إلى أن الطريق مسدود. فالموروث الرعوي عندنا يحتقر العمل ويتعفف الشرفاء من المواطنين عن ممارسته. وبفضل الدولة الريعية فإن كل المواطنين شرفاء، وكل المواطنين يحتقرون ويتعففون عن العمل اليدوي المنتج. لهذا فإن التخطيط أو العزم على تنويع مصادر الدخل يجب أن يعتمد مرة ثانية على المرأة. على المواطنة الأنثى التي كانت أساس العمل وأساس الإنتاج منذ القدم… أما شواربكم فرزقهم على الحكومة وليس من جهدهم وعرقهم مثل نسائهم.

عبداللطيف الدعيج-القبس-8-3-2018